ابن عجيبة

284

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم ذكر علامة أهل الضلالة والخسران ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 179 ] وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 179 ) يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا ؛ خلقنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ؛ كتبنا عليهم الشقاء في سابق الأزل ، فهم من قبضة أهل النار ، كما قال : « هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي » « 1 » . ثم ذكر علامتهم فقال : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها المواعظ والتذكير ؛ للأكنة التي جعلت عليها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها دلائل وحدانيتنا وكمال قدرتنا ، فلا ينظرون بها نظر اعتبار ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الآيات والمواعظ ، سماع تأمل وتدبر ، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ في عدم التفقه والاستبصار ، أو في أن هممهم ومشاعرهم متوجهة إلى أسباب التعيش ، مقصورة عليها ، فهممهم في بطونهم وفروجهم ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ من الأنعام ، لأنها تطلب منافعها وتهرب من مضارها ، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة ، وأيضا : الأنعام رفع عنها التكليف فلا تعذب ، بخلاف الكافر ، وأيضا : البهائم تقبل الرياضة والتأديب لما يراد بها ، والكافر عاص على الدوام ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الكاملون في الغفلة المنهمكون فيها . الإشارة : النار على قسمين : حسية ومعنوية ، كما أن الجنة كذلك ، فالنار الحسية لتعذيب الأشباح ، والنار المعنوية لتعذيب الأرواح ، والجنة الحسية لنعيم الأشباح ، والمعنوية لنعيم الأرواح . النار الحسية معلومة . والنار المعنوية هي نار القطيعة وغم الحجاب ، وأهلها هم أهل الغفلة ، وهم كثير من الجن والإنس ، ليس لهم قلوب تجول في معاني التوحيد ، وليس لهم أعين تنظر بعين الاعتبار ، وليس لهم آذان تسمع المواعظ والتذكار ، إن هم إلا كالأنعام ، غير أن اللّه تعالى تفضل عليهم برسم الإسلام . والجنة الحسية هي جنة الزخارف ، والجنة المعنوية هي جنة المعارف ، وأعدها اللّه لقلوب تجول في الأنوار والأسرار ، ولأعين تنظر بعين الاعتبار والاستبصار ، حتى تشاهد أنوار الواحد القهار ، ولآذان تسمع المواعظ والتذكار ، وتعي ما تسمع من الحكم والأسرار ، وبالله التوفيق .

--> ( 1 ) أخرج أحمد في المسند ( 5 / 239 ) عن معاذ بن جبل : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تلا هذه الآية : أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، فقبض بيديه قبضتين فقال : « هذه في الجنة ولا أبالي وهذه في النار ولا أبالي » .